سيف الدين الآمدي

237

أبكار الأفكار في أصول الدين

ليس كذلك : بل الحافظ لهم عنها ، والمقدر لهم عليها : إنما هو الله - تعالى - وليس لأحد من المخلوقين تأثير في إيجاد فعل ، أو عدمه كما سبق . كيف وأن ما ذكروه مما لم يذهب إليه أحد من أهل التفسير . وقوله - تعالى - : آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ « 1 » . فليس فيه ما يدل على تفضيل الملائكة على الأنبياء ، والتقديم في الذكر ؛ لم يقصد به بيان فضيلة المتقدم في الآية على المتأخر فيها بدليل أنه - تعالى - ذكر الكتب بعد الملائكة ، وقبل الرسل ولا يخلوا : إما أن يكون المراد بالكتب : الكلام النفساني القديم ، أو العبارات الحادثة الدالة عليه . فإن كان الأول : فلا يخفى أن الكتب تكون أفضل من الملائكة ، وقد أخرها في الذكر عن الملائكة . وإن كان الثاني : فلا يخفى أن الأنبياء أفضل من العبارات الدالة على الكلام القديم ، وقد قدمها على الأنبياء في الذكر ؛ بل أمكن أن يقال إن الآية إنما وردت في معرض الثناء على المؤمنين بالإيمان ، ولا يخفى أن الإيمان بما هو أخفى يكون أفضل . ووجود الملائكة أخفى من وجود الرسل ؛ فكان الإيمان بهم أدل على طواعية المؤمن ، وانقياده ؛ فكان تقديم الملائكة لفضيلة الإيمان بهم ، لا لفضيلتهم . والله - تعالى - أعلم . وقوله - تعالى - : اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ « 2 » ، فليس فيه ما يدل على أن الملائكة أفضل ؛ بل إنما وقع الترتيب في الذكر على وفق الترتيب في الوقوع ، ولا يخفى أن اتخاذ الملائكة رسلا مقدم على اتخاذ البشر رسلا ؛ فكان تقديمهم في الذكر لذلك . وقولهم : إن الملائكة أعلم من الأنبياء .

--> ( 1 ) سورة البقرة 2 / 285 . ( 2 ) سورة الحج 22 / 75 .